فخر الدين الرازي
42
تفسير الرازي
المسألة الرابعة : قال صاحب الكشاف : " الهمزة " و " أم " مجردتان لمعنى الاستفهام وقد انسلخ عنهما معنى الاستفهام رأساً ، قال سيبويه : جرى هذا على حرف الاستفهام كما جرى على حرف النداء كقوله : اللهم اغفر لنا أيتها العصابة ، يعني أن هذا جرى على صورة الاستفهام ولا استفهام ، كما أن ذلك جرى على صورة النداء ولا نداء . المسألة الخامسة : في قوله : * ( أأنذرتهم ) * ست قراءات : إما بهمزتين محققتين بينهما ألف ، أولاً ألف بينهما ، أو بأن تكون الهمزة الأولى قوية والثانية بين بين بينهما ألف ، أولاً ألف بينهما وبحذف حرف الاستفهام ، وبحذفه وإلقاء حركته على الساكن قبله كما قرىء " قد أفلح " فإن قيل : فما تقول فيمن يقلب الثانية ألفاً ؟ قال صاحب الكشاف : هو لاحن خارج عن كلام العرب . المسألة السادسة : الإنذار هو التخويف من عقاب الله بالزجر عن المعاصي ، وإنما ذكر الإنذار دون البشارة لأن تأثير الإنذار في الفعل والترك أقوى من تأثير البشارة ؛ لأن اشتغال الإنسان بدفع الضرر أشد من اشتغاله بجلب المنفعة ، وهذا الموضع موضع المبالغة وكان ذكر الإنذار أولى . أما قوله : * ( لا يؤمنون ) * ففيه مسألتان : المسألة الأولى : قال صاحب الكشاف : هذه إما أن تكون جملة مؤكدة للجملة قبلها أو خبراً " لأن " والجملة قبلها اعتراض . المسألة الثانية : احتج أهل السنّة بهذه الآية وكل ما أشبهها من قوله : * ( لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون ) * ( يس : 7 ) وقوله : * ( ذرني ومن خلقت وحيداً ) * إلى قوله : * ( سأرهقه صعوداً ) * ( المدثر : 11 ، 17 ) وقوله : * ( تبت يدا أبي لهب ) * ( المسد : 1 ) على تكليف ما لا يطلق ، وتقريره أنه تعالى أخبر عن شخص معين أنه لا يؤمن قط ، فلو صدر منه الإيمان لزم انقلاب خبر لله تعالى الصدق كذباً ، والكذب عند الخصم قبيح وفعل القبيح يستلزم إما الجهل وإما الحاجة ، وهما محالان على الله ، والمفضي إلى المحال محال ، فصدور الإيمان منه محال فالتكليف به تكليف بالمحال ، وقد يذكر هذا في صورة العلم ، هو أنه تعالى لما علم منه أنه لا يؤمن فكان صدور الإيمان منه يستلزم انقلاب علم الله تعالى جهلاً ، وذلك محال ومستلزم المحال محال . فالأمر واقع بالمحال . ونذكر هذا على وجه ثالث : وهو أن وجود الإيمان يستحيل أن يوجد مع العلم بعدم الإيمان ؛ لأنه إنما يكون علماً لو كان مطابقاً للمعلوم ، والعلم بعدم الإيمان إنما يكون مطابقاً لو حصل عدم الإيمان ، فلو وجد الإيمان مع العلم بعدم الإيمان لزم أن يجتمع في الإيمان كونه موجوداً ومعدوماً معاً وهو محال ، فالأمر بالإيمان مع وجود علم الله تعالى بعدم الإيمان أمر بالجمع بين الضدين ، بل أمر بالجمع بين العدم والوجود ، وكل ذلك محال ونذكر هذا على وجه رابع : وهو أنه تعالى كلف هؤلاء الذين أخبر عنهم بأنهم لا يؤمنون بالإيمان البتة ، والإيمان يعتبر فيه تصديق الله تعالى في كل ما أخبر عنه ، ومما أخبر عنه أنهم لا يؤمنون قط ، فقد صاروا مكلفين بأن يؤمنوا بأنهم لا يؤمنون قط ، وهذا تكليف بالجمع بين النفي